صديق الحسيني القنوجي البخاري

115

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقال الحوفي الثانية بدل من الأولى وليس كذلك لاختلاف معنييهما ، ثم خاطب رسول صلّى اللّه عليه وسلّم بما هو ردع للناس كافة فقال وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً . قال الفراء : إنما يجوز إدخال الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم كقولك كفاك به وأكرم به رجلا وطاب بطعامك طعاما ولا يقال قام بأخيك وأنت تريد قام أخوك ؛ والمراد بكونه سبحانه خبيرا أنه محيط بحقائق الأشياء ظاهرا وباطنا عالم بجميع المعلومات راء لجميع المرئيات لا تخفى عليه خافية من أحوال الخلق . وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الطاعة وتخويف شديد لأهل المعصية لأن العلم التام والخبرة الكاملة والبصيرة النافذة يقتضي إيصال الجزاء إلى مستحقه بحسب استحقاقه ، ولا ينافيه مزيد التفضل على من هو أهل لذلك . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 18 إلى 22 ] مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ( 18 ) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 ) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 20 ) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ( 21 ) لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً ( 22 ) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ هذا تأكيد لما سلف من جملة كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ وجملة مَنِ اهْتَدى والمراد بالعاجلة المنفعة العاجلة أو الدار العاجلة ، والمعنى من كان يريد بأعمال البر أو بأعمال الآخرة ذلك فيدخل تحته الكفرة والفسقة والمراؤون والمنافقون . عَجَّلْنا لَهُ أي لذلك المريد فِيها أي في تلك العاجلة قيد المعجل والمعجل له بقيدين ؛ الأول قوله ما نَشاءُ تعجيله له منها لا ما يشاؤه ذلك المريد ، ولهذا ترى كثيرا من هؤلاء المريدين للعاجلة يريدون من الدنيا ما لا ينالون ويتمنون ما لا يصلون إليه ، والقيد الثاني قوله لِمَنْ نُرِيدُ التعجيل له منهم ما اقتضته مشيئتنا . وقيل الآية في المنافقين كانوا يراءون المسلمين ويغزون معهم ولم يكن غرضهم إلا مساهمتهم في الغنائم ونحوها . وهذه الآية تقيد الآيات المطلقة كقوله سبحانه مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها [ الشورى : 20 ] وقوله مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ [ هود : 15 ] . وقيل قرىء ما يشاء بالتحتية والضمير على هذا للّه سبحانه ، وفيه بعد لمخالفته لما قبله وهو عجلنا وما بعده وهو لمن نريد .